الشنقيطي

10

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) [ 3 - 4 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من الناس بعضا يجادل في اللّه بغير علم : أي يخاصم في اللّه بأن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وكماله ، كالذي يدّعي له الأولاد والشركاء ، ويقول إن القرآن أساطير الأولين ، ويقول : لا يمكن أن يحيي اللّه العظام الرميم ، كالنضر بن الحارث ، والعاص بن وائل ، وأبي جهل بن هشام وأمثالهم من كفار مكة الذين جادلوا في اللّه ذلك الجدال الباطل بغير مستند ، من علم عقلي ، ولا نقلي ، ومع جدالهم في اللّه ذلك الجدال الباطل يتبعون كل شيطان مريد : أي عات طاغ من شياطين الإنس والجن كُتِبَ عَلَيْهِ أي كتب اللّه عليه كتابه قدر وقضاء أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ أي كل من صار وليا له : أي للشيطان المريد المذكور ، فإنه يضله عن طريق الجنة إلى النار ، وعن طريق الإيمان إلى الكفر ، ويهديه إلى عذاب السعير : أي النار الشديدة الوقود . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن بعض الجهال كالكفار يجادل في اللّه بغير علم : أي يخاصم فيه بغير مستند من علم بينه في غير هذا الموضع كقوله في هذه السورة الكريمة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) [ الحج : 8 ] ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ الحج : 9 ] الآية وقوله تعالى في لقمان وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 ) [ لقمان : 20 - 21 ] فقوله في آية لقمان هذه : أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ، ( 21 ) كقوله في الحج كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) [ الحج : 4 ] وهذه الآية الكريمة التي هي قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الحج : 8 ] الآية يدخل فيما تضمنته من الوعيد والدم : أهل البدع والضلال ، المعرضين عن الحق ، المتبعين للباطل ، يتركون ما أنزل اللّه على رسوله من الحق المبين ، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء ، بقدر ما فعلوا من ذلك ، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب . ومن الآيات الدالة على مجادلة الكفار في اللّه بغير علم قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) [ يس : 77 - 78 ] وقوله في أول النحل خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) [ النحل : 4 ] وقوله تعالى وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [ الكهف : 56 ] الآية . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ( 16 ) [ الشورى : 16 ] وقوله تعالى : أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) [ الزخرف : 58 ] وقوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 25 )